السيد عباس علي الموسوي
235
شرح نهج البلاغة
أمثالها من الماديات واللّه منزه عن ذلك . ( منعتها « منذ » القدمة وحمتها « قد » الأزلية وجنبتها « لولا » التكملة ) « منذ » و « قد » و « لولا » إنما تستعمل في الأدوات والآلات وأصحابها لنقصها وحدوثها وإمكانها ، فيقال قد وجدت بعد أن لم تكن ووجد منذ كذا ويقال لولا فناؤه ما أحسنه فمنذ تمنع كون هذه الآلات قديمة لأنه يسأل بها عن الابتداء وفي أي زمان وجدت « وقد » تمنع من أزليته لأنها تفيد تقريب الماضي من الحال فقولنا قد كان كذا في وقت كذا أي قريب منه والقريب من الحاضر ليس بأزلي . ولفظة « لولا » تمنع كمالها فيقال : لولا موته لكان عظيما فامتنعت عظمته بالموت فلم يكمل فكان ناقصا . وأشار بهذا إلى نقصان الآلات وحدوثها ليدلل على عدم كونها تحد اللّه أو تشير إليه لأنه الكامل المطلق لا يحده المحدود الناقص . . . ( بها تجلى صانعها للعقول وبها امتنع عن نظر العيون ) فإن هذه الأدوات والآلات دلت على وجود اللّه لأنها حادثة لا بد لها من محدث ، والمحدث هو اللّه رب العالمين فمنها حكم العقل بوجود اللّه وظهر جل اسمه للعيون . . . كما أنها لرؤيتها بالعيون من حيث كونها ممكنة محسوسة دلت على أن النظر إليه ممتنع لأنه غيرها ولأن كل منظور مجسم وتصح الإشارة إليه واللّه منزه عن ذلك لأنه ليس بجسم ممكن فقير محتاج . . . ( ولا يجري عليه السكون والحركة ) لأنهما من صفات الأجسام واللّه منزه عن الجسمية وعلل عدم جريان الحركة والسكون عليه بوجوه وهي : 1 - ( وكيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو أبداه ويحدث فيه ما هو أحدثه ) استفهام استنكاري أن تجري عليه هذه الأمور إبطالا لها وأنها لا تجري عليه أو تلحق به . فهو سبحانه خالق الحركة والسكون وهما متأخران عنه فلا يتصف بهما لأن اتصافه بهما دليل حاجته إليهما واللّه غني عن ذلك . وكذلك إذا عاد إليه ما أظهره وأبداه من الحركة والسكون فإنه لا يعود إليه إلا لحاجته إليه وهو غني عن ذلك وكذا لو حدث فيه ما أحدثه هو فإنه يكون محلا للحوادث وهو منزه عن ذلك . . . .